ابن كثير
91
البداية والنهاية
عن أذاهم والترجمان يعيد على الملك ، فقال الملك أما ما ذكرت من فضل الخليفة فإنه ليس كذلك ، ولكني إذا قدمت بغداد أقمت من يكون بهذه الصفة ، وأما ما ذكرت من النهي عن أذاهم فإني لم أوذ منهم أحدا ولكن الخليفة في سجونه منهم طائفة كثيرة يتناسلون في السجون ، فهو الذي آذى بني العباس ، ثم تركه ولم يرد عليه جوابا بعد ذلك ، وانصرف السهروردي راجعا ، وأرسل الله تعالى على الملك وجنده ثلجا عظيما ثلاثة أيام حتى طم الحزاكي والخيام ، ووصل إلى قريب رؤوس الاعلام ، وتقطعت أيدي رجال وأرجلهم ، وعمهم من البلاء ما لا يحد ولا يوصف ، فردهم الله خائبين والحمد لله رب العالمين . وفيها انقضت الهدنة التي كانت بين العادل والفرنج واتفق قدوم العادل من مصر فاجتمع هو وابنه المعظم ببيسان ، فركبت الفرنج من عكا وصحبتهم ملوك السواحل كلهم وساقوا كلهم قاصدين معافصة العادل ، فلما أحس بهم فر منهم لكثرة جيوشهم وقلة من معه ، فقال ابنه المعظم إلى أين يا أبة ؟ فشتمه بالعجمية وقال له أقطعت الشام مماليكك وتركت أبناء الناس ، ثم توجه العادل إلى دمشق وكتب إلى واليها المعتمد ليحصنها من الفرنج وينقل إليها من الغلات من داريا إلى القلعة ، ويرسل الماء على أراضي داريا وقصر حجاج والشاغور ، ففزع الناس من ذلك وابتهلوا إلى الله بالدعاء وكثر الضجيج بالجامع ، وأقبل السلطان فنزل مرج الصفر وأرسل إلى ملوك الشرق ليقدموا لقتال الفرنج ، فكان أول من قدم صاحب حمص أسد الدين ، فتلقاه الناس فدخل من باب الفرج وجاء فسلم على ست الشام بدارها عند المارستان ، ثم عاد إلى داره ، ولما قدم أسد الدين سرى عن الناس فلما أصبح توجه نحو العادل إلى مرج الصفر . وأما الفرنج فإنهم قدموا بيسان فنهبوا ما كان بها من الغلات والدواب ، وقتلوا وسبوا شيئا كثيرا ، ثم عاثوا في الأرض فسادا يقتلون وينهبون ويأسرون ما بين بيسان إلى بانياس ، وخرجوا إلى أراضي الجولان إلى نوى وغيرها ، وسار الملك المعظم فنزل على عقبة اللبن بين القدس ونابلس خوفا على القدس منهم ، فإنه هو الأهم الأكبر ، ثم حاصر الفرنج حصن الطور حصارا هائلا ( 1 ) ومانع عنه الذين به من الابطال ممانعة هائلة ، ثم كر الفرنج راجعين إلى عكا ومعهم الأسارى من المسلمين ، وجاء الملك المعظم إلى الطور فخلع على الامراء الذين به وطيب نفوسهم ، ثم اتفق هو وأبوه على هدمه كما سيأتي . وفيها توفي من الأعيان : الشيخ الإمام العلامة الشيخ العماد أخو الحافظ عبد الغني ، أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ،
--> ( 1 ) استمروا عليه سبعة عشر يوما ( ابن الأثير - العبر لابن خلدون ) .